أبي منصور الماتريدي
147
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ابن عباس - رضى اللّه عنه - يقرأ : للذين يقسمون من نسائهم « 1 » .
--> - والإيلاء في الاصطلاح - كما عرفه الحنفية - : أن يحلف الزوج بالله تعالى ، أو بصفة من صفاته التي يحلف بها ، ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر ، أو أن يعلق على قربانها أمرا فيه مشقة على نفسه ، وذلك كأن يقول الرجل لزوجته : واللّه لا أقربك أربعة أشهر ، أو ستة ، أو يقول : واللّه لا أقربك أبدا ، أو مدة حياتي ، أو واللّه لا أقربك ولا يذكر مدة ، وهذه صورة الحلف بالله تعالى ، أما صورة التعليق ، فهو أن يقول : إن قربتك فلله على صيام شهر ، أو حج ، أو إطعام عشرين مسكينا ، ونحو ذلك مما يكون فيه مشقة على النفس ، فإذا قال الزوج شيئا من هذا اعتبر قوله إيلاء . أما إذا امتنع الرجل من قربان زوجته بدون يمين ، فإنه لا يكون إيلاء ، ولو طالت مدة الامتناع حتى بلغت أربعة أشهر أو أكثر ، بل يعتبر سوء معاشرة يتيح لزوجته طلب الفرقة عند بعض الفقهاء ، إذا لم يكن هناك عذر يمنع من قربانها . وكذلك لو حلف الزوج بغير اللّه تعالى كالنبي والولي ألا يقرب زوجته ، فإنه لا يكون إيلاء ؛ لأن الإيلاء يمين ، والحلف بغير اللّه تعالى ليس يمينا شرعا ؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت » . ومثل هذا لو علق الرجل على قربان زوجته أمرا ليس فيه مشقة على النفس : كصلاة ركعتين أو إطعام مسكين ، لا يكون إيلاء . وكذلك لو كانت المدة التي حلف على ترك قربان الزوجة فيها أقل من أربعة أشهر لا يعتبر إيلاء ؛ وذلك لقول اللّه تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فإنه سبحانه ذكر للإيلاء في حكم الطلاق مدة مقدرة هي أربعة أشهر ؛ فلا يكون الحلف على ما دونها إيلاء في حق هذا الحكم . وقد وافق الحنفية - في أن الإيلاء يكون بالحلف بالله تعالى وبالتعليق - المالكية ، والشافعي في الجديد ، وأحمد بن حنبل في رواية . وخالف في ذلك الحنابلة في الرواية المشهورة ، فقالوا : الإيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله تعالى ، أما تعليق الطلاق أو العتق أو المشي إلى بيت اللّه تعالى على قربان الزوجة فإنه لا يكون إيلاء ؛ لأن الإيلاء قسم ، والتعليق لا يسمى قسما شرعا ولا لغة ، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ، ولا يجاب بجوابه ، ولا يذكره أهل العربية في باب القسم ، وعلى هذا لا يكون إيلاء . وحجة الحنفية ومن وافقهم : أن تعليق ما يشق على النفس يمنع من قربان الزوجة خوفا من وجوبه ، فيكون إيلاء كالحلف بالله تعالى ، والتعليق - وإن كان لا يسمى قسما شرعا ولغة - لكنه يسمى حلفا عرفا . ومذهب الحنفية أن الإيلاء يكون بالحلف على ترك قربان الزوجة أربعة أشهر أو أكثر . وذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن الإيلاء لا يكون إلا بالحلف على ترك قربان الزوجة أكثر من أربعة أشهر . والحكمة في موقف الشريعة الإسلامية من الإيلاء هذا الموقف : أن هجر الزوجة قد يكون من وسائل تأديبها ، كما إذا أهملت في شأن بيتها أو معاملة زوجها ، أو غير ذلك من الأمور التي تستدعى هجرها ؛ علّها تثوب إلى رشدها ويستقيم حالها ، فيحتاج الرجل في مثل هذه الحالات إلى الإيلاء ، يقوى به عزمه على ترك قربان زوجته تأديبا لها ورغبة في إصلاحها ، أو لغير ذلك من الأغراض المشروعة ؛ فلهذا لم تبطل الشريعة الإسلامية الإيلاء جملة ، بل أبقته مشروعا في أصله ؛ ليمكن الالتجاء إليه عند الحاجة . ينظر : بدائع الصنائع ( 3 / 171 ) ، الخرشى ( 3 / 230 ) ، حاشية الدسوقي ( 2 / 427 ) ، مغنى المحتاج ( 3 / 344 ) ، المغنى لابن قدامة ( 7 / 298 ) . ( 1 ) أخرجه عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف كما في الدر المنثور ( 1 / 482 ) .